السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
11
مصنفات مير داماد
حيّز القبليّة ، وعندها ترتحل هي عن ساهرة الواقع من أسّها ، لا عن حدّ المعيّة فقط . وليس العدم شيئا تعتبر المعيّة بالقياس إليه ، فهو انتفاء شيء ، لا شيء يعبّر عنه بالانتفاء . فلذلك ليس يصحّ أن يحكم عليه ولو بالسّلبيّة وامتناع الوجود ، بل إنّما يؤخذ مفهومه المتمثّل في الذّهن ، وهو ليس حقيقة العدم ، بل مفهوم ما يضع الذّهن أنّه عنوان لتلك الحقيقة الباطلة ، فيعقد الحكم عليه بالسّلبيّة وبالامتناع ، مثلا ، حكما على التّقدير ، لا حملا على البتّ . فكان « ا » وليس « ب » ، لا على التّقدّر ، فوجد ، وصارا معا في الذّهن خارجين عن جنس التّقدّر واللّاتقدّر ، وعن توهّم الحدود والامتداد ، إذ الوجود بما هو وجود لا يتصوّر فيه حدّ وحدّ . ولا يحتمل أين ومتى . ثمّ هذا التّقدّم من صفات الجاعل الحقّ ، تمجّد قدسه . وليس للعقول النقيّة النّوريّة والأنوار المفارقة العقليّة إلى اكتناه شيء منها من سبيل ، فأنّى للأذهان البتريّة الإنسانيّة والقرائح الغير البشرانيّة تكنيهه وتحديده . وإنّما صيّور الفحص والبرهان يوجبانه : أنّ هناك تقدّما مجهول الكنه مباين الحقيقة ، ومخالف الأحكام للتقدّم الزّمانيّ وسائر التقدّمات ، ضرورة أنّ الحادث اليوميّ متخلّف في الوجود منه ، سبحانه ، بتّة ، ويتعالى كبرياؤه عن التّقدّم الزّمانيّ ، إذ معروضه بالذّات ليس إلّا أجزاء الزّمان ولا يوصف به بالعرض إلّا المتزمّنات . فإذا علم البرهان [ 8 ب ] تحقّقه ، وأنّه لا سبيل إلى تعرّفه بالكنه ، كان ذلك سادّا مسدّ المعرفة . فالجهل المعلوم بالبرهان قصيا درجات مراتب العرفان . وهو العلم المأمور به في كتاب اللّه الأعظم وناموسه الأقوم ، والفارق بين الرّاسخين في العلم من زمرة العاقلين وبين النّفوس المعطّلة من غاغة الغافلين وكذلك الشّأن في سائر صفات البارئ الفاطر ، تعالى عزّه وتعاظم مجده ، فهذا سنن الحكمة النّضيجة السّويّة . وأما المتهوّسون بالفلسفة النيّة ، فيقولون : هذا السّبق شأن البارئ الأوّل ومفطوراته المبدعة ، من الجواهر العقليّة والمفارقات النّوريّة جميعا . والوهم حيث إنّه ألف الأبعاد ، وصحب الجهات ، ورأى كلّ شيء في زمان ، وكلّ سبق ولحوق على حدّي امتداد ، يصرف العقل ، ما دامت النّفس في دار غربتها ، من عالم الحسّ عن اكتناه الأمر فيه ، فيقاس بالسّبق الزّمانيّ ويوهم الامتداد ، كما يقاس مطلق الموجود بالجسمانيّات ،